عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

82

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

سلاح ، بل مع كل واحد جريدة في رأسها مسمار حديد ، وتركوا جادة الطريق ، وسلكوا الساحل ، وكان بينهم وبين المخيم مسيرة ثلاثة أيام ، وكان الصليحي قد سمع بخروجهم ، فسير خمسة آلاف حربة من الحبشة الذين كانوا في ركابه لقتالهم ، واختلفوا في الطريق ، فوصل سعيد الأحوال المذكور ومن معه إلى طريق المخيم ، وقد أخذ منهم التعب والجفاء وقلة المادة ، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر ، ولم يشعر بهم إلا عبد الله أخو الصليحي فقال : يا مولانا ؛ اركب ، فهذا والله الأحول سعيد بن نجاح . وركب عبد الله فقال الصليحي لأخيه : إني لا أموت إلا بالدهيم وبيرام معبد التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه اله وسلم لما هاجر إلى المدينة ، فقال له رجل من أصحابه : قاتل عن نفسك ، فهذه والله الدهيم ، وهذه بيرام معبد . فلما سمع الصليحي ذلك لحقه اليأس من الحياة وقال : فلم يبرح من مكانه حتى قطع رأسه بسيفه ، وقتل أخوه معه ، وسائر الصليحيين . ثم إن سعيداً أرسل إلى الخمسة آلاف التي أرسلها الصليحي أن الصليحي قد قتل ، وأخذت ثأر أبي ، فقدموا عليه ، وأطاعوه ، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحيين ، فاستظهر عليهم قتلاً وأسراً ونهباً ، ثم حمل رأس الصليحي على عود المظلمة ، وقرأ القارئ : " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " ، - آل عمران 26 - ورجع إلى زبيد ، وقد حاز الغنائم . قلت هكذا نقل بعض المؤرخين ، وقد ذكرته عن بعضهم في كتاب المرهم أن داعي الإسماعيلية دخل اليمن ودعا إلى مذهبهم ، ونزل في الجبل المذكور ، ولم يزل يدعو سراً حتى كثرت أتباعهم ، وظهرت دعوتهم ، وملكوا جبال اليمن وتهامتها . ولكن ذلك مخالف بما قدمناه عن بعض في هذا التاريخ ، من وجوه . منها : أنهم ذكروا أن داعيهم الذي أظهر مذهبهم في اليمن وملكهم اسمه : علي بن فضل ، من ولد خنفر بفتح الخاء المعجمة وسكون النون وفتح الفاء في آخره راء بن سبأ . والذي تقدم في هذا التاريخ اسمه علي بن محمد الصليحي . ومنها أن دعوتهم ظهرت في سنة سبعين ومائتين ، والمذكور فيما تقدم من هذا التاريخ أن دعوتهم ظهرت في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة . ومنها أنهم ذكروا أن علي بن الفضل المذكور كان داعياً للإسماعيلية ، والصليحي المذكور في هذا التاريخ كان داعياً للرافضة الإمامية ، ولكن يمكن الجمع بينهما على هذا الوجه ، وهو أنهم في ظاهر الدعوة يقرون إلى مذهب الإمامية ، وفي الباطن متدينون لمذهب الباطنية . ولهذا قال الإمام حجة الإسلام في وصف الباطنية : ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض .